التسميات

الحوار مع المشركين / إدريس أوهنا


آيات وتأملات

 الحوار مع المشركين


نص الانطلاق:
قال الله تعالى:
]قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنْ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ[([1]).

وقفة تدبرية:
ننطلق في تلمس أسلوب القرآن الكريم في محاورة المشركين من هذه الآية من سورة الأحقاف على سبيل التمثيل لا الحصر، وإلا فإن كتاب الله تعالى زاخر بالآيات التي حاور فيها الحق عز وجل هؤلاء، بل إن هناك سورة كاملة في القرآن الكريم عدها العلماء أصلا في محاجة المشركين، وهي سورة الأنعام([2]).
ومما يستفاد من نص الانطلاق السابق ما يلي:
أهمية الاستفادة من الكون، واستقاء الدليل والحجة منه، في مواجهة الطرف المحاوَر وإقناعه.
يزودنا النص أيضا بمنهجية الاستدلال الصحيح، والأسلوب السليم في المناقشة والمحاورة: ]إيتوني بكتاب من قبل هذا أو أثرة من علم إن كنتم صادقين[، تماما كما يقول الأصوليون: "إذا كنت ناقلا فالصحة أو مدعيا فالدليل"، وليس كما نلاحظ اليوم في واقعنا حيث الاتهام بلا بينة، والحكم من غير دليل، مما يسهم في توسعة دائرة الخلافات بين الأحزاب والمذاهب والجماعات والأفراد، وكلها راجعة إلى غياب المنهج المذكور الذي يقوم على الدليل والبرهان، ويرفض الاحتكام إلى  مجرد الظن والهوى.
شساعة مجال العملية الحوارية بالشكل الذي تنفتح على كل القضايا والمسائل حتى العقدية منها، وبطبيعة الحال في حدود ما يجوز التحاور فيه شرعا وعقلا. إذ الحوار الذي يناقض البديهيات العقلية لا يمكن إلا أن يكون حوار المجانين، كما أن الحوار الذي يقفز على حرمات الشرع، ولا يعيرها أي اعتبار لا يمكن إلا أن يكون حوار الهلكى الخاسرين.. ولذلك نبهنا الله تعالى إلى عدم الخوض في كل نقاش أو حوار يشتم فيه الله ورسوله، ويُتعرض فيه للمقدسات الدينية بالطعن أو الهزء والسخرية؛ قال سبحانه وتعالى: ]وقد نُزِّل عليكم في الكتاب أن اذا سمعتم آيات الله يُكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره. إنكم إذاً مثلهم. إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا[([3]).
ذلك أنه لا نقاش في قبول أو رد ثوابت وقطعيات من الدين؛ كما يدل على ذلك قوله تعالى: ]فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما[([4])، وقوله: ]وما كان لمومن ولا مومنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم. ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا[([5]).


[1] - سورة الأحقاف، الآية3.
[2] - ينظر "الجامع لأحكام القرآن"، 6/359.
[3] - سورة النساء، الآية139.
[4] - سورة النساء، الآية64.
[5] - سورة الأحزاب، الآية36.

شارك:

حوار الله تعالى مع آدم وحواء / إدريس أوهنا


آيات وتأملات

 حوار الله تعالى مع آدم وحواء


نص الانطلاق:
قال الله تعالى:
]فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ.قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ.قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ.قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ[([1]).

تدبر ونظر:
أغلى ما نستفيده من هذا الحوار بين الله سبحانه وتعالى، وبين أبوينا آدم وحواء، تلك المراجعة الصريحة للذات، أو ما يعرف في الأدبيات المعاصرة بالنقد الذاتي، على طريقة أبينا آدم وأمنا وحواء في اعترافهما بخطئهما: ]قالا ربنا ظلمنا أنفسنا[، وهو ما يحتاجه المسلمون اليوم، جماعات وأفرادا، في حواراتهم حتى تكون هذه الحوارات نافعة وهادفة تدفع بعجلة المشروع الحضاري إلى الأمام، وتضع حدا لأشكال العناد والتوتر والتعصب والتمادي في الخطأ، مما يوسع الهوة ويبعد الشقة بينهم،  ويزيد من تكريس واقع التشرذم والتفرقة والانقسام في صفوفهم، فلا تجتمع لهم كلمة ولا تتوحد لهم إرادة في تجاوز مشاكلهم وخلافاتهم ومواجهة التحديات التي تقف في طريقهم. فإذا كان الاعتراف بالخطأ فضيلة، كما شاع منذ القدم، فإنه في وقتنا الحالي يعتبر حاجة حضارية ملحة، يجب أن يضطلع بها السياسيون والمفكرون والمثقفون... من أجل وضع الخطوة الأولى في طريق معالجة الأوضاع المتردية لمجتمعاتنا، والانتقال إلى حالة من التجانس الثقافي والمرجعي، على أساس نخل مختلف التصورات، والوقوف، بشجاعة وصراحة مع الذات، عند الثغرات -المعسولة أحيانا- التي تخيم على أدبياتنا، وتُفَسِّر حالة التجزئة الثقافية التي نكتوي بلهيبها، وتنعكس -سلبا بطبيعة الحال- على علاقاتنا السياسية والإدارية وغيرها.
إن العملية الحوارية الناجحة تتوقف -من بين ما تتوقف عليه- على التموقع بين طرفي تنزيه الذات وجلدها.. وليس بين هذا وذاك إلا النقد البناء والصريح الذي ينطلق من نقد الذات والاعتراف بأخطائها من أجل تقويمها، قبل نقد الآخر.


[1] - سورة الأعراف، الآيات21-24.

شارك:

حوار الله تعالى مع الملائكة / إدريس أوهنا


آيات وتأملات

 حوار الله تعالى مع الملائكة

 نص الانطلاق:
قال الله تعالى:
]وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ.وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ.قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ[([1]).

وقفة تدبرية:
يوحي قول الملائكة لله تعالى: ]أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك[؛ «بأنه كان لديهم من شواهد الحال، أو من تجارب سابقة في الأرض، أو من إلهام البصيرة، ما يكشف لهم عن شيء من فطرة هذا المخلوق، أو من مقتضيات حياته على الأرض، وما يجعلهم يعرفون أو يتوقعون أنه سيفسد في الأرض، وأنه سيسفك الدماء.. ثم هم -بفطرة الملائكة البريئة التي لا تتصور إلا الخير المطلق وإلا السلام الشامل- يرون التسبيح بحمد الله والتقديس له، وهو وحده الغاية المطلقة للوجود، وهو وحده العلة الأولى للخلق.. وهو متحقق بوجودهم، يسبحون بحمد الله ويقدسون له، ويعبدونه ولا يفترون عن عبادته»([2]).
إلا أن منطقهم هذا، على ما يستند إليه من قرائن، يتهافت أمام المنطق الرباني والحكمة الإلهية من خلق آدم، المتمثلة في عمارة الأرض وتسخيرها؛ ولذلك قال لهم الله تعالى: ]إني أعلم ما لا تعلمون[.
والعبرة المستقاة من ذلك أن على المحاوِر أن لا يؤمن بإطلاقية ما يعتقده من أفكار وآراء مهما تكن القرائن التي قد تبدو دالة على صوابها، إذ مهما كان رأيي صائبا في اعتقادي الشخصي، فإنه يحتمل الخطأ؛ ومهما كان رأي غيري خطأ في اعتقادي الشخصي أيضا، فإنه يحتمل الصواب؛ وهو ما توجه إليه الآية الكريمة في قوله تعالى: ]وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين[([3]). فلابد أن نترك للنسبية مجالها في حواراتنا مع المؤالف والمخالف على حد سواء.
مما يفرضه الجو الصحي للحوار والتواضع للحق، في حالة عجز المحاوِر عن إدراك أمر من الأمور، أو في حالة وقوعه في الخطأ، أن يعترف بخطئه، ويقر بمحدودية علمه: ]قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم[.
وللأسف يلاحظ على كثير من شباب مجتمعاتنا وأكثرهم من (المثقفين) تطاولهم إلى ما ليس من شأنهم، ولا دليل لهم عليه من مسائل الفقه وغيرها، غير مبالين بقواعد العلم وشروط التعليم.. ومعلوم ما يترتب عن ذلك من مفاسد وأضرار على هؤلاء أنفسهم أولا، وعلى غيرهم ممن يحظون بثقتهم، ويسمعون كلامهم.. وتحضرني هنا قصة ذلك الرجل الذي أصابه جرح في عهد الرسول r ، ثم أصابته جنابة، فأفتاه بعض الناس بضرورة الاغتسال، فعمل بفتواهم، فتفاقم جرحه فمات، ولما بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال منكرا عليهم: "..قتلوه، قتلهم الله! هلا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال. إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه"([4]).
ورحم الله عليا قال: «قصم ظهري رجلان: جاهل متنسك، وعالم متهتك، ذاك يغر الناس بتنسكه، وهذا يضلهم بتهتكه» ([5]).
وانظر إلى قول الملائكة عندما أخبرهم الله تعالى بخلق آدم؛ ]قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك[؟، وتأمل هذه العلاقة العجيبة بين الله تعالى المنزه عن كل نَقص، وبين ملائكته الكرام.. إنها علاقة تقوم -إن شئت القول- على أساس حرية التعبير، وحق إبداء الرأي، كما هو واضح من خلال كلامهم ذاك.. أوليس من باب أولى أن تقوم العلاقة بيننا نحن البشر أفرادا وهيئات وجماعات، ونحن المتصفون بالنقص والقصور والخضوع للأهواء، على الأساس نفسه؟! فننبذ بذلك كل أشكال التعصب والإقصاء والانغلاق في علاقاتنا مع الآخرين سواء الذين يتقاسمون معنا التوجهات نفسها، أو الذين يخالفوننا في القناعات والتصورات.. ألا نفعل ذلك حتى ولو علمنا أنه مفتاح من أهم مفاتيح معالجة أزماتنا ومشكلاتنا المعاصرة؟!


[1]- سورة البقرة، الآيات29-32.
[2] - "في ظلال القرآن"،1/57.
[3] - سورة سبأ، الآية24.
[4] - رواه أبو داود، وذكره في صحيح الجامع الصغير، 4362.
[5] - الحياة الربانية والعلم، د. يوسف القرضاوي، ص136.

شارك:

حوار الله تعالى مع إبليس / إدريس أوهنا


آيات وتأملات

 حوار الله تعالى مع إبليس


نص الانطلاق:
قال الله تعالى:
] وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ. قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ.قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنْ الصَّاغِرِينَ.قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.قَالَ إِنَّكَ مِنْ الْمُنظَرِينَ.قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ.ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ.قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ[([1]).

تدبر ونظر:
إذا كان الله تعالى لم يستنكف عن محاورة إبليس كما هو واضح في نص الانطلاق، فإن في ذلك درسا ودعوة للناس جميعا، على اختلاف الأزمنة والأمكنة، كي يحافظوا على باب الحوار مُشْرَعاً ولا يغلقوه تحت أية ذريعة. لأن الاختلاف في الدين، أو التباين في المواقف السياسية، أو المصالح الاستراتيجية، أو القناعات الفكرية، أو الميولات النفسية... كل ذلك لا ينهض دليلا على قطع جسور الحوار.. وإلا تحول ذلك الاختلاف والتباين إلى تناحر وتدابر.
نستخلص من هذا النص الحواري البديع كذلك، أن هناك أمورا ومسائل لا تقبل الحوار والنقاش من حيث القيام بها أو عدم القيام بها -أي من زاوية الامتثال- وهي الأمور القطعية ثبوتا ودلالة.. فالسجود مثلا (في الآية العاشرة) امتثالا لأمر الله عز وجل به لا يناقش، ولا يدخل فيه اعتبار لـ(النار) أو(الطين)؛ أو غيره من الاعتبارات. لأنه كما يقول الأصوليون: «لا اجتهاد مع ورود النص»، و"النص" بالمعنى الأصولي ما كان قطعي الدلالة لا يحتمل التأويل.
أما الحوار والنقاش في المسائل والقضايا التي تقبل الاجتهاد، أو حتى فيما كان قطعيا صريحا بهدف فهم روحه، وتلمس مقاصده، أو إصابة محله في الواقع ضمانا لحسن تنزيله([2])، فأمر محمود يفيد في ترسيخ القناعة، وإيضاح الفكرة، وتقوية الالتزام.
يستفاد من نص الانطلاق أيضا أن التكبر والغرور من الأمراض الخطيرة التي تفسد العمليات الحوارية وتعصف بها، وتؤدي إلى نتائج عكسية. كما هو واضح من خلال رد إبليس اللعين على الحق سبحانه وتعالى، مما كان سببا في هلاك إبليس وطرده من رحمة الله، وما كان لإبليس أن يُلعن ويطرد لولا تكبره وغروره وتمرده على الأمر الإلهي.. ولذلك على المحاور، عموما، أن يحذر الوقوع في التكبر والغرور والحسد والكذب والغضب والحقد والغيبة وغيرها من الأخلاق الذميمة([3])، وأن يحرص على معالجة هذه الأدواء الباطنة والظاهرة التي تدفعه دفعا إلى ركوب صهوة التعصب وعدم الانصياع إلى الحق؛ يقول الإمام الشاطبي رحمة الله عليه: «لا تَرِدْ مشرع العصبية، ولا تأنف من الإذعان إذا لاح وجه القضية، أنفةَ ذوي النفوس العصية، فذلك مرعى لسوامها وبيل، وصدود عن سواء السبيل»([4]).


[1]- سورة الأعراف، الآيات10-17.
[2]- يراجع في هذا الباب "التفسير المصلحي للنصوص" و"التطبيق المصلحي للنصوص" للدكتور أحمد الريسوني من كتاب: "الاجتهاد: النص، الواقع، المصلحة"، ص53 فما فوقها.
[3] - ينظر تفصيل هذه المهلكات وأثرها على المناظرة والحوار في "إحياء علوم الدين" 1/58-60.
[4] - "الموافقات"، 1/17.

شارك:

حوار إبراهيم عليه السلام مع أبيه / إدريس أوهنا


آيات وتأملات
حوار إبراهيم عليه السلام مع أبيه


قال الله تعالى:
]وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا.إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا.يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا.يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَانِ عَصِيًّا.يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَانِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا.قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا.قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا.وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا[.- مريم/40،48-


   أول ما يستوقف المتأمل في حوار إبراهيم عليه السلام مع أبيه، الطريقة التي سلكها إبراهيم في محاولة إقناع أبيه، وجعله يرتد إلى الرشد والصواب.. ذلك أنه حاكمه إلى مقدمات مسلمة، وأدلة يقر بها ولا يستطيع دفعها: ]يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا[.
فهل يستطيع آزر أن يدحض هذه المقدمات بإثبات السمع والبصر والقدرة لما يعبده وقومه من أصنام؟؟ إنه لا يسعه -أمام استحالة ذلك- إلا أن يقر بالكلام الفصل الذي صدر على لسان ابنه إبراهيم عليه السلام.. وإقرارُه به يقوده -لو ترك المعاندة والمكابرة جانبا- إلى الإعراض عن عبادة ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنه شيئا..
فنعم الطريقة هي في محاورة المخالف وإقناعه، إذا أُحسن توظيفها وتنزيلها، بحيث تكون مقدمات الدعوى مما تُسلِّم به العقول وتقبله، لا أن تكون مسلمة عند صاحبها فحسب.
يستفاد من هذا الحوار أيضا ضرورة التركيز في محاورة الضالين وإرشاد الغافلين على الهدف من خلق الإنسان في هذا الوجود، والمقصد الأول من بعثة الرسل والأنبياء؛ وهو عبادة الله تعالى. كما هو واضح من خلال ما استهل إبراهيم عليه السلام به الحوار مع أبيه ]إذ قال لأبيه يا أبت لما تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا[ وهو ما نجده بقليل من التأمل مطردا في دعوة الرسل جميعا؛ قال الله تعالى في حق نبيه نوح عليه السلام: ]ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم[.-هود/25،26-
وقال تعالى بشأن رسوله هود عليه السلام: ]وإلى عاد أخاهم هودا. قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. إن انتم إلا مفترون[.-هود/50-
وقال تعالى بخصوص صالح عليه السلام: ]وإلى ثمود أخاهم صالحا. قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. هو أنشأكم من الارض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه. إن ربي قريب مجيب[.-هود/60-
وقال تعالى عن رسوله شعيب عليه السلام: ]وإلى مدين أخاهم شعيبا. قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره. ولا تنقصوا المكيال والميزان. إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط[.- هود/83-
وهذه مسألة أساسية وجوهرية ينبغي أن يتنبه إليها الدعاة في حواراتهم الدعوية؛ إذ الصلاح كل الصلاح يقوم على عبادة الله تعالى، والطلاح كل الطلاح ينشأ عن تعطيل هذه العبادة.
إن المرتكز الأساس الذي ارتكز عليه إبراهيم عليه السلام في حواره مع أبيه ومحاولة إقناعه هو العلم: ]يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم ياتك فاتبعني أهدك صراطا سويا[ ، وفي ذلك تأكيد على أهمية "العلم" في الحوار.
كما أنه يحيلنا على أدب مهم جدا وتقنية رائعة في الحوار وهي: تقديم الحجة بين يدي الطلب.. فانظر كيف طلب إبراهيم عليه السلام من أبيه أن يتّبِعَه، وتوسل بين يدي طلبه بالعلم الذي جاءه، وفي ذلك تحفيز للمحاوَر من أجل الاستجابة والإذعان للحق، عندما يستبين قوة الحجة ونصاعة الفكرة.
وفي زمن كاد أن ينتفي فيه الجو الحواري داخل الأسرة، وارتفعت فيه نسبة العقوق.. تأتي هذه الآيات لتطلعنا على إبراهيم عليه السلام وهو يحاور أباه بمحبة وهدوء ورقة وأدب.. ومهما يكن رد فعل الأب شنيعا وقاسيا يبقى موقف إبراهيم عليه السلام ثابتا، وطريقته في مراجعة أبيه هي طريقته: حب ورأفة وحنان.. وهذا درس بطبيعة الحال نستلهم منه كيف ينبغي أن يكون الحوار -في الوقت الحاضر- داخل الأسرة بين الأبناء والآباء في جو من الألفة والمحبة والاحترام، دون انفعال أو توتر، بغض النظر عن أهمية أو تفاهة الموضوع مناط الحوار والاختلاف.
وهذه التقنية الحوارية تعتبر قاعدة عامة في كل العمليات الحوارية لأنه «كم من حالات تحاورية تدهورت وفشلت بسبب أن نبرة صوت المتحاوِر كانت حادة عندما ذكر شيئا يتسم بنوع من الحساسية الخاصة لطرف الحوار الآخر، وهناك حالات أخرى أدت فيها تقلصات وجه المتحدث، وحركة يده إلى ترك انطباع لدى أحد أطراف الحوار بأن أحد المتحاورين يتكلم بأسلوب يشبه أسلوب التهديد والتحدي والعداء والاستهتار بالآخر، وفي أحيان أخرى كان إيقاع المتحدث سريعا وحماسيا، فتصور الطرف الآخر أن المتحدث منفعل ويريد أن يستأثر بالحوار، هذا في الوقت الذي ثبت فيه بالدراسة أن هذه الحالات كانت لا إرادية، ولم يقصد المتحاورون أي عداء أو تهديد أو جفاء أو استهتار أو استئثار بالحديث، ولكنهم لا يشعرون بوقع ما يقومون به على الآخرين وحجم الإزعاج الذي يتسببون فيه لغيرهم». (مجاة الفيصل، عدد188، ص25)
إن التفكير العميق والتعبير الهادئ هو الوسيلة الناجعة في أي حوار، «أما المهاترة والمنافرة فأمر تستخدم فيه اللغة أداة صوتية للصراخ حيث تقف قنوات العقل، وتبدأ الحبال الصوتية في الارتفاع ارتفاعا يتماشى بشكل عكسي مع ضعف الحجة. عندها ربما امتدت الكف أو العصا فيتوقف العقل عن الكلام، ويصبح المتحاوران أطرشين يتكلمان بلغتين لأنهما كما قال الشاعر:
سـارت مشرقـة وسـرت مغـربا // شتـان بيـن مشـرق ومـغـرب». (نفسه، ص8)
وهو ما يسميه أهل فن المناظرة بـ"المعاندة"، وتعني في اصطلاحهم: «المنازعة بين شخصين لا يفهم أحدهما كلام صاحبه، وهو يعلم ما في كلام نفسه من الفساد ومجانبة الصواب.
والمعاندة في المناظرة عمل لا يجوز».( ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة، ص454)
نستفيد من هذا الحوار البديع أيضا كيف أن أدب إبراهيم عليه السلام مع أبيه، وهو يحاوره، لم ينسه أولوية آصرة العقيدة على آصرة القرابة؛ عندما تمادى أبوه في الغي والضلال، وأبى إلا أن يستمر على دين آبائه الباطل؛ قال: ]وأعتزلكم وما تدعون من دون الله[، وفي سورة الزخرف: ] وإذ قال إبراهيم لآبيه وقومه إنني براء مما تعبدون. إلا الذي فطرني فإنه سيهدين[ - الزخرف/26،27-، وفي سورة التوبة: ] فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه. إن إبراهيم لأواه حليم[ - التوبة/144-.
فالانفتاح على الآخر في الحوار، على ضرورته، لا يعني التنازل عن الانتماء العقدي ومقوم الدين والإيمان، بل بالعكس. قال تعالى: ]لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ[ - الحشر/21-، ولنا عبرة في قصة نوح عليه السلام مع ابنه، ولوط عليه السلام مع زوجته، وآسية بنت مزاحم مع زوجها فرعون، ومحمد صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي لهب، ومصعب بن عمير مع أمه...
فالمعاملة الكريمة للأقارب ومحاورتهم بالتي هي أحسن لا تعني أبدا طاعتهم في معصية الله تعالى حتى وإن كانوا آباءً، قال تعالى: ]وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[ - العنكبوت/7-.
وإذا كان الحوار مع الأقارب المعادين للدين، يُشترط فيه ألا يُقَدِّم المحاور الملتزم تنازلات تضر بدينه وعقيدته، فمن باب أولى أن يكون ذلك مع المخالفين والمعادين للدين من غير الأقارب.

شارك:

ouhna.blogspot.com

موضوع مقترح

موجز السيرة الذاتية

ابحث في هذه المدونة